2 . رجال التغيير السلمي و ثورة اللاعنف
ورود، برتقالية، صفراء؟! فلنجعلها ثورةً بيضاء(الجزء الأول)
".. وهل الثورة والفرح لا يجتمعان؟ وهل الثورة إلا من أجل الفرح؟ أربعة إخوة.. هكذا تقول الأسطورة أتوا بسفينتهم عبر النهر ليؤسسوا المدينة كييف العاصمة، تقضي التقاليد بأن يأتي إليهم العروسان قبل أن يبدأا حياتهما وكأن الحب لا يكتمل إلا بالوطن، أيكون هؤلاء هم الثوار الذين أسقطوا حكماً وأقاموا آخر وانتزعوا حقهم في أن يولّوا عليهم مَن يشاءون؟ تُرى أي سحر يملكه هؤلاء البسطاء الفرحون جعلهم يثورون وينتصرون؟ أي سر وراء ثورتهم البرتقالية؟ مَن بالله في هذا البلد يُفسّر لي لماذا هنا وليس هناك؟" 1
السادة الكرام أحب في مقالتي هذه أن أخذ بشيء من التحليل ثلاثة نقاط، و أن أحاول أن اجيب على ثلاثة تسائلات سرنا نسمعها سواء من أبناء المعارضة الليبية المناضلة في منفاها القسري، أو من أبناء الشعبي الليبي الصابر الأبي في الداخل، و تلك النقاط الثلاثة هي:
أين هي المعارضة الليبية سواء في الخارج أم في الداخل.
كل ما تقولونه سواء في غرف البالتوك، أم على صفحات مواقع الأنترنت، أو على شاشات التلفاز الإعلامية؛ هو في أغلبه في حكم التنظير.
إن أبناء الشعب الليبي في الداخل نيام و لا يرجى منهم إنتفاضة و لا عمل يصب في النهاية في بوتقة التغيير الحقيقي، أو يتجه به نحو العصيان المدني العام.
و من هنا كان لزاماً علي و حتى لا اخل بالموضوع و لا أعطيه لأهميته حقه، أن أقسِّم هذا الموضوع بعون الله إلى ثلاثة أجزاء نبدأ أولها بطرق باب المعارضة الليبية في الداخل و الخارج.
فأين هي المعارضة الليبية؟!
يا سادة يا كرام، المعارضة الليبية في الداخل و الخارج لا تعدو إحد ثلاثة أصناف، لا رابع لهما؟!!
أولهما: و هم الصوت الأعلى الآن في صفوف المعارضة عموماً.. و هم من يسموا بالجذريين، و هم الذين أحب أن أسميهم الإصلاحيين الثوريين، و الذين لا يروا الإصلاح إلا بعد تنحية رأس حكومة الفساد في ليبيا الحبيبة و محو آثارهم.. و قد أوافقهم في كثير من وجهات نظرهم؛ و هم مثل المحارب الذي إمتشق سيفه و في خضم تلك المعركة الحامية الوطيس لا يرى النصر إلا بكسر خصمه سواء بقتله أو بأسره أو بهزيمته و إنسحابه في آخر الأمر.
ثانيهما: و هم من يسموا بالإصلاحيين؟ و الذي أحب أن أءكد أن في هذه التسمية ظلم كبير؟! لأنني متأكد أنه لا يوجد بيننا من لا يريد الإصلاح و الصلاح و الحرية لوطننا الأسير و شعبنا السجين، بغض النظر عن توجهاتنا أو وسائلنا أو مناهجنا، و كلي ثقة في ذلك.. و هذا الصنف الثاني أحب أن أسميه، بالإصلاحيين السلميين، و لعل في رأيهم وجهة نظر معتبرة؟ و أسمحوا لي أن أمثلهم بأؤلئك الرماة الذين تركوا مواقعهم قبل نهاية المعركة – ظناً منهم أنها إنتهت – و كشفوا ميمنة الجيش المقبل على النصر، و أعطوا للعدوا الفرصة لإختراق الجيش و هز ثقته بنفسه و خلخلته و الإضعف من قوته.. نعم إننا نعرف جيداً أنه بغير قصد منهم..
ثالثهما: من يسمون اليوم بالمعارضين المستقلين، و الذين هم على الأغلب على رأي الإصلاحيين الثوريين، و أبرزهم اليوم هم مجموعة لجنة العمل الوطني على الساحة الأوروبية.. و يمكننا أن نمثلهم بأؤلئك المقاتلين الشجعان، ذلك الجندي المجهول و الذي يقوم بإزعاج جيش العدو بالمناوشات الجانبية و بالهجمات الليلية.
و أخيراً من هو المعارض الذي نريد؟!!
يا سادة يا كرام، فليتطوع أحدكم و ليكتب على إحد محركات البعث على الأنترنت أحد الأسماء التالية (المهتاما غاندي، تشى جيفارا، نيلسون مانديلا، توماس سنكارا)؟
ستجد ذلك المعارض المناضل، الذي تجرد لقضيته، و قد ملأت عليه حياته، و إستلبته لبه و عقله و قلبه.. ذلك الأنسان صاحب المبادئ الحرة و الذي لم تعد تعني له شيء ( الخوف، السجن، المطاردة، الموت..)؟! أؤلئك الرجال و الذي قال أحدهم: " من الضروري و الملح أن يتعلم كوادرنا و أهل القلم لدينا أنه ما من كتابةٍ بريئة. ففي زمن العواصف هذا، لا يمكننا ترك المجال لأعداء الأمس و اليوم كي يحتكروا الفكر و الخيال و الابتكار."2
والأخر و الذي "كانت أولى المعارك التي خاضها فعلياً نلسون مانديلا هي الدعوة لـ «العصيان المدني»، كان ذلك في عام 1952. ويومه عرف السجن للمرة الأولى، وللمرة الأولى أيضاً تلقى رفسة قدم من أحد حرّاس السجن، ذلك لأن الحكومة «البيضاء» لم تكن ترى في العصيان المدني «شكلاً من أشكال الاحتجاج» وإنما ترى به جريمة"3
و لأزيدكم من الشعر بيتاً و أقول لكم تعالوا معي لنرى هذا المشهد، الذي سيفصح لنا عن نشأة المعارض الممتد الجذور في عمق التاريخ: "ويفتتح جاك لانغ هذا الفصل بكلمة للشاعر الكبير «لامارتين» تقول: «سيد؟ ماذا قلت؟ إن العبد لم يعد موجوداً. وسبارتاكوس حطّم قيوده الحديدية في بقية المناطق غير روما. ويرتفع الشعار في هذا الفصل الثاني عن مجموعة من القادة السود الذين ينتظرون تقديمهم للمحاكمة، وفجأة يلف أحدهم «مازابالاتا يونغوا» ابن أحد العمال وسكرتير حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في منطقته، وهو الحزب الذي كان مانديلا قد انتسب له وأصبح أحد قادته، نفسه بأحد الأغطية، ويصنع من إحدى الجرائد «سيفاً» يشهره ويتقدم وهو يردد قصيدة «الطائر ـ الفريسة الذي يقتل أعداءه بلا رحمة». هكذا بدأت «ثورة العبيد» بسيف من ورق، ولكنه كان مع ذلك «قاطعاً. وفي الفترة نفسها تم إبرام اتفاق بين حزب المؤتمر الوطني الأفريقي والمؤتمر الهندي في جنوب أفريقيا أسفر عن تأسيس منظمة سرية، وها هو نلسون مانديلا يجد نفسه مسؤولاً عن إدارة هذه المعركة السرية ويترأس اجتماع لـ «السود والهنود» في طول البلاد وعرضها، وكان مانديلا قد أصبح قبل ذلك محامياً قبل أن يغدو «خارجاً على القانون. وبعد فترة طويلة من تبني النضال ضد النظام العنصري الأبيض بدأت تتشكل لدى مانديلا القناعة بأنه ينبغي الانتقال إلى الكفاح المسلح، إذ «كيف يمكن مواجهة دبابات وطائرات البيض العمودية؟». يقول: «بالنسبة للحركة ـ حزب المؤتمر الوطني الأفريقي ـ كان عدم العنف بمثابة مبدأ لا يمكن التنازل عنه وليس تكتيكاً يمكن تغييره. لكنني كنت أعتقد عكس ذلك تماماً. فعدم العنف كان بالنسبة لي تكتيكاً ينبغي التخلي عنه في الوقت الذي يفقد فيه فعاليته"4
و لأكمل اللوحة بلون لا تزهو إلا به و أورد لكم من كلام شيخ المناضلين الشباب في القرن الماضي تشي جيفارا حين يقول : " إنني أحس على وجهي بألم كل صفعة تُوجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني."، " لا يهمني اين و متى ساموت بقدر ما يهمني ان يبقى الثوار يملئون العالم ضجيجا كي لا ينام العالم بثقله على أجساد الفقراء."، " ان الطريق مظلم و حالك فاذالم تحترق انت وانا فمن سينير الطريق."
و أخيراً ليس آخراً، لذلك الشاب الذي مات مطارداً لمبادئه و متمثلاً بها و قد عرضت عليه الدنيا بما حملت و رفضها، ليموت في جبال بعيد عن الوطن و الأهل، و ترك الدنيا و زخارفها ليترك لنا ذلك المثل العالي للمناضل الخالص المُخلص المُخًلص : " أنا أنتمي للجموع التي رفعت قهرها هرما ، انا انتمي للجياع ومن سيقاتل"5
و لكي لا ننسى " "في غضون ذلك، أصبح توماس سنكارا رمز المقاومة، و الخطيب الذي يستحوذ على مخيلة الشباب الإفريقي، و كبطل للثورة، و قائد المناوئين للاستعمار الغربي بالنسبة للكثير من الأفارقة يحتل سنكارا نفس المكانة التي يحتلها تشي غيفارا في أمريكا اللاتينية.
حتى الحكومة البوركينية تخشى من سمعة سنكارا، حيث لا يوجد حظر رسمي للاحتفال بالذكرى العشرين لوفاته"6
أفهمتم يا سادة ماذا يرد كاتب المقال من ذكر كل هذا؟!!
نعم يا معارضي ليبيا الأسيرة في الداخل و الخارج، هذا هو المعارض الذي نريد، المعارض الذي لا يفكر فيما بعد تحرر شعبه، المعارض الذي لا هم له إلا فك إسار وطنه و تخليص شعبه الحبيس، المعارض المناضل الذي لا يشغله إلا مبدأه القائل خلاص خلاص خلاص.. لا يهم إن مت بعيشهم.. القائل سأعود لعملي بعد خلاص شعبي.. القائل التحالف مع كل المخلصين الوطنيين المناضلين أمثالي و لو خالفوني فيما عدا هذا.. المتجرد للقضية الكبرى.. المتخلص من كل الإنتمائات إلا للشعب.. و من كل الأفكار إلا فكرة الخلاص.. و من كل الشعارات إلا الوطن الوطن الوطن..
المعارض المناضل الذي يبكي و يتألم لقتيل نيامٌ أهله؟! و لتآئه غفل عنه رعاته..
المعارض المناضل الذي يحلم أن يرى شباب وطنه و بعد أن رحل من دنيا الناس مضحياً من أجلهم، يخرج الواحد منهم صباحاً ليقول: " صباح الخير يا وطناً" ينعم بمقدراته، و يتنسم عطره الشادي من دون نكد و لا هم و لا غبار ينغص عليهم حتى صفاء نفوسهم الطاهرة..
و بعد هذا نقول لماذا فقدت المعارضة مصداقيتها؟!!!
إذا الشعب يوما أراد الحياة -- فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي -- ولابد للقيد أن ينكسر
ومن لم يعانقه شوق الحياة -- تبخر في جوها واندثر
كذلك قالت لي الكائنات -- وحدثني روحها المستتر
ودمدمت الريح بين الفجاج -- وفوق الجبال وتحت الشجر :
إذا ما طمحت إلى غاية -- ركبت المنى ونسيت الحذر
ومن لا يحب صعود الجبال -- يعش ابد الدهر بين الحفر
فعجت بقلبي دماء الشباب -- وضجت بصدري رياح أخر**
و بعد هذا سيقف لنا من يقول إن هذا الكلام هو من التنظير، إذا لقائنا في المقال القادم و هو الجزء الثاني من هذا المقال.
بقلم:
علي عبدالنبي العبار
che_alhasawi@hotmail.com
أوكرانيا.. الثورة البرتقالية وتغيير وجه الحكم – أسعد طه – موقع قناة الجزيرة 20.01.2006.
من كتاب: Thomas Sankara parle . La révolution au Burkina Faso, 1983-1987, Pathfinder, Paris, 2007 - نقلا عن «لوموند ديبلوماتيك»
من كتاب: مانديلا في كتاب عن حياته: الحب جعلني اتفتح كزهرة في ايام شيخوختي - تأليف :جاك لانغ.
من كتاب: مانديلا في كتاب عن حياته: الحب جعلني اتفتح كزهرة في ايام شيخوختي - تأليف :جاك لانغ.
مجموعة من أقوال المناضل الكبير (تشي جيفارا).
مقال من موقعة العربية - توماس سنكارا: تشي غيفارا إفريقيا (http://arabic.rnw.nl/imp/persons161007 )
**للشاعر أبي القاسم الشابي
|