حديث النفس
4 . الخط الفاصل بين (IDAS) و (GRANMA)
"وداعاً يا بلادي، هل إلى عودٍ من سبيل" هذه آخر كلمة قلتها لبلادي و أنا ألقي النظرة الأخيرة على عاصمتنا الحبيبة (طرابلس الغرب)، من فوق الباخرة التي أقلتني هارباً متخفياً بعد الفرار من الأسر، و تشردي في مدينتي الغالية بنغازي أربعة أشهر؟!..
(إداس) المُنتَظَر الذي يجهله كثيرون؟ (إداس) هي ذلك الأملُ المشرَئبٌّ لها الأعناق في أقصى جنوب القارة السمراء؟! تنتظر الجموع الحاشدة على أرصفة الميناء و من بينهم روح النضال الأسمر و أسد الجنوب الشامخ البطل (نيلسون مانديلا) ينتظروا جميعاً إطلالة (إداس) يقفوا في مقدمتها أصحاب تلك الوجوه السمراء و على رأسهم رفيق النضال الصابر (باتريس شاموسو).. لحظات تظهر فيها حقيقة الكفاح الكاملة، و نتيجة النضال النهائية.. لحظات وستصل الباخرة المحملة بزهوة النصر و بضاعة الخلاص النفيسة.. لتتحقق من بعدها الحرية للجميع، و الخلاص لكل معذب، و الرفاهية لكل مواطن، و العدل لكل البشر..
أما بالنسبة لـ(غرانما) فلم ينتظرها أحد في الميناء؟ بل و لم يعلم بها أحد؟! و لكن.. إنتظرتها نفوس الناس؟!! و عشقتها أرواح الحيارة؟!!! أتت و قلوبِ أصحابها تلهج بالدعاء لألا يتنبه لهم غيرهم؟!!!! أتت كمن يحبوا و على ظهرها حملة نيفٌ و ثمانون مناضلاً و على رأسهم بطلٌ منهم و آخر من بلادٍ بعيده؟! هما (فيديل كاستروا) و بجواره رفيق النضال الوفي له و للمبادئ (أرنيستو تشي جيفارا).. شبابٌ كان كل أملهم أن يحققوا الحرية و الخلاص لشعبهم في كوبا.. أيام و ساعات تنُم عن إصرار و جَلَد.. أيامٌ و ساعات تحكي لنا قصة الوفاء للوطن و الحب للأهل.. كسر النفوس الدنيئة و للهمم الواهية.. و إبدالها بالنفوس الكبيرة و الهمم العالية.. ثبات على المبادئ،.. تضحيةً عزيزةً لأجل الخلاص، إصرار على تحقيق الأهداف السامية و الوصول إلى النتائج المرجوة..
إسمانِ لا يمحُوهُما التاريخُ من قِدَم؟ و لا تُزِلُهَا الأحداثُ من تزاحم؟! و لا تُنسِيهِا الأعمارُ من هَرم؟!! و ستظل بإذن واحدٍ أحد في قمة الهرم.. ذَكَّرَتنِي بلحظاتِ هجرتي قسراً؛ ذاك اليوم كان كل ما فيَّ مزور؟! من أخمُس قدمي و حتى مَفرَقَ رأسي؟!! لم يكن فقط جوازَ سفري المُزور.. بل و حتى لون عينَايَ و شعري كانت مزورةً هي أيضاً.. أتدرون لماذا؟!!! لأنهم من أناس بلادي الغالية من لا يحبون الحق و لا الحقيقة؟!!!!
و لكن السؤال و الذي يطرح نفسه، هو كيف يفضلون هؤلاء الناس عودتَنا من جديد بعد كل هذه السنين التي مضت، و خاصة أنهم يعرفون حق المعرفة أنه لا يوجَدُ فينا و لا معنا إلا المخلصين و إننا لا نريد لهذا الوطن إلا صلاحاً و عماراً للبلاد و العباد؛ هل يفضلونها (إداس) أم يحبونها أن تكون (غرانما)؟!
إذا كانت الأولا و هي (إداس) فهذا ما عرضهُ قائد مسيرتها النضالية المناضل العظيم (نيلسون مانديلا) و الذي وثَّقهُ في خاتمت مذكراته «المسيرة الطويلة نحو الحرية» : "عانقت غورغي – سجَّان - مودّعاً بحماسة. طوال سني عمله من سجن بيلزمور الى سكنى فيكتور فيرسيتر (آخر مكان إقامة جبرية)، لم نتجادل في السياسة، بيد أن رابطتنا كانت مكتومة. سأفتقدُ حُضُورَهُ الهادئ. إن أشخاصاً مثل غورغي (مع سورت، ومسوؤل السجن براند) عزّزوا قناعتي بالجوهر الإنساني حتى لدى أولئك الذين أبقوني قابعاً خلف القضبان على مدى سبعةٍ وعشرين عاماً الماضية"؟!! جميلٌ هذا المعنى لو أن هناك من يفهمه و يستفد منه قبل فوات الأوآن.. و في نفس الكتاب قال أيضاً :"الثورة ليست مجرد الضغط على الزناد، ولكنها حركة تهدف إلى إقامة مجتمع العدل والإنصاف"..
أما إذا كان الخيار (غرانما) فقد قالها (تشي): "لا يستطيع المرء أن يكون مُتأكِداً من أنه هنالك شيء يعيش من أجله, إلا اذا كان مستعدا للموتِ في سبيله".. وسيكون لكلمات رجل النضال الأسود في الولايات المتحدة الأمريكيا (مالوكم إكس) أكبر صدى حين علق على اللاعنف بقوله: "إن من الإجرام أن تعلم الرجل ألا يُدَافِعَ عن نفسهِ، وهو يتعرض لهجوم متوحش ومستمر".. و لعلهم يفضلون أن تعود مقالة الكاتبة الأمريكية المدافعة عن حقوق المرأة د. أ. كلارك في مقال لها بعنوان "امرأة تحمل سيفاً" لتتحقق على أرض الواقع: "من أجل أن ينجح اللاعنف في تحقيق الأهداف المرجوة، لابد من أن يمارسه هؤلاء القادرون على اللجوء إلى القوة بسهولة عندما يقررون ذلك".. و لعله يعجبهم ما جاء على لسان احد اعلام الثورة الكوبية ضد الاستعمار الاسباني في القرن التاسع عشر، الجنرال انطونيو ماسيو، عندما قال جازماً: "لا تُنَالُ الحقوق بالتسوّل بل بحد السيف".. لأنه وكما قال المفكر العربي عبد الرحمن الكواكبي "المطالبة بالحقوق ليست رذيلة والتنازل عنها ليس فضيلة"؟!..
هذه الأمثال حية و يمكن تكررها في كل زمان و مكان.. فماذا يا تراهم يفضلون؟!!
بقلم: علي عبدالنبي العبار
18.01.2008
che_alhasawi@hotmail.com |